الشيخ محمد رشيد رضا

56

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الجارية ويخاطبها بما يريد وانما كان غرضه مشاهدة الجارية وكلامها فلم يزل دأبه إلى أيام المقتدر ، ثم خرج إلى البلدان وصار إلى طرسوس وأقام بها إلى أن مات وتحدثت الجارية بعد ذلك بحديثه ووقف على احتياله . فهذا خادم قد احتال بمثل هذه الحيلة الخفية التي لم يهتد لها أحد مع شدة عناية المعتضد به وأعياه معرفتها والوقوف عليها ولم تكن صناعته الحيل والمخاريق فما ظنك بمن قد جعل هذا صناعة ومعاشا ؟ ( وضرب آخر من السحر ) وهي السعي بالنميمة والوشاية بها « 1 » والبلاغات والافساد والتضريب من وجوه خفية لطيفة ، وذلك عامّ شائع في كثير من الناس وقد حكي ان امرأة أرادت افساد ما بين زوجين ، فصارت إلى الزوجة فقالت لها : ان زوجك معرض وقد سحر وهو مأخوذ عنك وسأسحره لك حتى لا يريد غيرك ، ولا ينظر إلى سواك ، ولكن لا بد أن تأخذي من شعر حلقه بالموسى ثلاث شعرات إذا نام وتعطينيها فان بها يتم الامر ، فاغترت المرأة بقولها وصدقتها . ثم ذهبت إلى الرجل وقالت له : ان امرأتك قد علقت رجلا ، وقد عزمت على قتلك ، وقد وقفت على ذلك من أمرها فأشفقت عليك ولزمني نصحك فتيقظ ولا تغتر فإنها عزمت على ذلك بالموسى وستعرف ذلك منها فما في أمرها شك . فتناوم الرجل في بيته فلما ظنت امرأته انه قد نام عمدت إلى موسى حاد وأهوت به لتحلق من حلقه ثلاث شعرات ففتح الرجل عينه فرآها وقد أهوت بالموسى إلى حلقه فلم يشك في أنها أرادت قتله فقام إليها فقتلها وقتل ، وهذا كثير لا يحصى ( وضرب آخر من السحر ) وهو الاحتيال في اطعامه بعض الأدوية المبلدة المؤثرة في العقل والدخن المسدرة المسكرة نحو دماغ الحمار إذا طعمه انسان تبلد عقله وقلت فطنته مع أدوية كثيرة هي مذكورة في كتب الطب ويتوصلون إلى أن يجعلوه في طعام حتى يأكله فتذهب فطنته ويجور عليه أشياء مما لو كان تام الفطنة لانكرها فيقول الناس إنه مسحور « 2 »

--> ( 1 ) بهذا فسر الأستاذ الامام النفاثات في العقد من سورة الفلق ( 2 ) قد كثرت بعد عصر المؤلف العقاقير المفسدة للعقل والمبلدة للذهن ولا سيما في زماننا هذا ومنها الحشيشة المشهورة وما يتخذ منها ومن غيرها من المعاجين - والكوكايين ولكنها لاشتهارها لم تعد تعد من اعمال السحر